انتفاضة قنا ضد سياسات الباشا
متابعة : دكتور مصطفي سليمان
شهدت محافظة قنا في أبريل عام 1824 واحدة من أعنف الانتفاضات الشعبية في تاريخ مصر الحديث، حين كاد أهالي الإقليم أن يهددوا عرش محمد علي باشا، احتجاجًا على سياساته الصارمة في التجنيد الإجباري وفرض الضرائب.
اندلعت شرارة التمرد بقيادة شيخ يُدعى رضوان، حيث شارك أكثر من 30 ألف رجل وامرأة من مختلف قرى المحافظة، خاصة من مناطق فاو ودشنا، واتجهوا نحو مدينة قنا، وتمكنوا من السيطرة على مقار الحكم وأسر بعض المسؤولين، في مشهد كشف عن حجم الغضب الشعبي واتساع رقعة الاحتجاج.
ومع تصاعد الأحداث، بدأت الانتفاضة تمتد إلى مناطق مجاورة، ما أثار قلق السلطة التي حاولت احتواء الموقف عبر التهديد والترهيب، إلا أن تلك المحاولات لم تُجدِ نفعًا. وأمام خطورة الموقف، قررت الحكومة الدفع بقوات عسكرية حديثة التشكيل، معظمها من أبناء الفلاحين، لقمع التمرد.
ورغم حساسية القرار، إذ وُضع الجنود في مواجهة أهلهم وذويهم، فقد شهدت المواجهات في بدايتها مقاومة شرسة من الثوار، أسفرت عن مقتل عدد من الضباط، وانتشرت شائعات عن انضمام مئات الجنود إلى صفوف المتمردين، ما دفع الباشا إلى فتح تحقيق عاجل انتهى بإعدام 45 ضابطًا رميًا بالرصاص أمام جنودهم.
وفي تطور حاسم، قاد أحمد عثمان بك حملة عسكرية قوامها 500 فارس و3000 من المشاة، وشن هجومًا مكثفًا على مواقع الثوار في قنا، ما أدى إلى تفكك صفوفهم وهروب قائدهم إلى الصحراء، قبل أن تصدر أوامر واسعة بالقبض عليه في مختلف المديريات.
وخلال أقل من أسبوعين، تمكنت القوات من القضاء على الانتفاضة، في عملية دامية راح ضحيتها نحو 4000 من الفلاحين، في واحدة من أكثر المواجهات قسوة بين السلطة وأبناء الريف.
وتكشف إحدى الوثائق المحفوظة في دار الوثائق القومية بالقاهرة عن واقعة مؤثرة، حيث وجد أحد الجنود نفسه في مواجهة والده ضمن صفوف المتمردين، وحين فشل في إقناعه بالاستسلام، أطلق عليه النار. وقد أثنى الباشا على هذا التصرف، وأمر بترقية الجندي، في دلالة واضحة على طبيعة المرحلة وقسوة القرارات.


